أحمد بن عبد المؤمن بن موسى القيسي الشريشي

453

شرح مقامات الحريري

واخلب بصوغ اللّسان ، واخدع بسحر البيان ، وارتد السّوق قبل الجلب وامتر الضّرع قبل الحلب ، وسائل الرّكبان قبل المنتجع ، ودمّث لجنبك قبل المضطجع ، واشحذ بصيرتك للعيافة ، وأنعم نظرك للقيافة ، فإنّ من صدق توسّمه ، طال تبسّمه ، ومن أخطأت فراسته أبطأت فريسته . وكن يا بنيّ خفيف الكلّ ، قليل الدّل ، راغبا عن العلّ ، قانعا من الوبل بالطّلّ . وعظّم وقع الحقير ؛ واشكر على النّقير ، ولا تقنط عند الرّدّ . ولا تستبعد رشح الصّلد ، ولا تيئس من روح اللّه ، إنه لا ييئس من روح اللّه إلّا القوم الكافرون . وإذا خيّرت بين ذرّة منقودة ، ودرّة موعودة ، فمل إلى النّقد وفضّل اليوم على الغد ، فإنّ للتأخير آفات وللعزائم بدوات ، وللعدات معقّبات ، وبينها وبين النّجاز عقبات وأيّ عقبات . * * * قوله : اخلب بصوغ اللسان ، أي بعذوبة الكلام ، قال ابن كناسة الشاعر : كنت أتكلم بكلام فلو لم يجد سامعه إلا القطن الذي في وجه أمه في القبر ، لتغلغل إليه حتى يخرجه ويهديه إليّ . وأنا اليوم أتحدث بذلك الحديث بعينه فما أفرغ منه حتى أهيّئ له اعتذاري وارتد ، أي اطلب . والجلب : ما يجلب إلى السوق للبيع ، امتر : امسح ، ويفعل ذلك بالضرع لأنه يدرّ لبنه . المنتجع : موضع العشب ، أراد به موضع طلب الرزق ، دمث : ليّن ، اشحذ : اجل واصقل ، وقال في الدّرة : ويقولون : شحّات بالتاء ، وصوابه . بالذال لأن اشتقاقه من شحذت السيف ، إذا بالغت في إحداده فكأنّ الشحاذ هو الملحّ في المسألة المبالغ في طلب الصّدقة ، بصيرتك : ذهنك ، العيافة : زجر الطير ، أنعم : بالغ ، القيافة : الاستدلال على الولد ، وذلك أن ينظر خلقته وصفته ، فيشبّهه بأبيه . توسمه : نظره ، الفراسة : الحكم بحالات الشيء على ما يكون منه في المستقبل . الكلّ : الثقيل ، والدّلّ والدّلال بمعنى واحد ، العلّ : الشّرب بعد الشّرب وراغبا عنه : تاركا له : النقير : حفرة في ظهر نوى التّمر ، ومنها تنبت النخلة ، تقنط : تيأس ، روح اللّه : رزقه . ولبعضهم في هذا المعنى : [ المتقارب ] سيفتح باب إذا سدّ باب * نعم وتلين الأمور الصّعاب ويتّسع الحال من بعد ما * تضيق المذاهب فيه الرّحاب مع العسر يسران هوّن عليك * فلا اليسر دام ولا الاكتئاب إذا احتجب الناس من سائل * فما دون سائل ربّي حجاب آخر : [ الطويل ]